فخر الدين الرازي
518
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وإذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين ، لأنه لا قائل بالفرق ، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى ، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع ، ويمكن أن يقال : لا يتمسك به على طريقة القياس ، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم ، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف واللّه أعلم ، واعلم أنه تأكد هذا بإجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس ، والأصح في أصول الفقه أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة واللّه أعلم . المسألة الثانية : الاخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فهم لا يرثون شيئا البتة ، بل / يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس ، سدس بالفرض ، والباقي بالتعصيب ، وقال ابن عباس : الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه ، وما بقي فللأب ، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب ، فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا ، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكا للأبوين ، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم اللّه تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا ، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين ، كما كان قبل ذلك واللّه أعلم . قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ . اعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين ، قال : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين ، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين ، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق ، فأما إذا لم يكن دين ، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء ، فان أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل ، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض اللّه . المسألة الثانية : روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : إنكم لتقرءون الوصية قبل الدين ، وإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية . واعلم أن مراده رضي اللّه تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ ، وليس مراده أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة « أو » لا تفيد الترتيب البتة . واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين : الأول : أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقا على الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين ، فان نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه ، فلهذا السبب قدم اللّه ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في إخراجها ، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة « أو » على الوصية والدين ، تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على السوية . الثاني : أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له ، فجمع اللّه بين ذكر الدين وذكر الوصية ، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة / بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين ، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الإرث ، وليس كذلك الدين ، فإنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الإرث ، وليس كذلك الدين ، فإنه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا ، فالوصية تشبه الإرث من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها بالإرث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والإرث ، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام